أزمة اشباه الموصلات .. كرة نار صنعتها السياسة والتجارة

جمال محمد غيطاس

قائمة المحتويات

في وقتنا الحالي .. لم يعد هناك منتج أو سلعة، لا يحتاج إلي شريحة أو رقاقة الكترونية، مصنوعة من اشباه الموصلات، سواء عند انتاجه، أو تشغيله بعد بطرحه في الأسواق، ولذلك باتت صناعة الالكترونيات واشباه الموصلات، تلعب في الاقتصاد العالمي دور العصب الحساس، او لنقل الملح الذي لابد منه، من أجل إعداد أي طبخة أو وجبة، مهما كان نوعها.
ومن ثم بات المساس بسلاسل توريد اشباه الموصلات، سببا كافيا لحدوث سلسلة من التداعيات العالمية السريعة عريضة النطاق، والضارة بمختلف القطاعات، وليس فقط قطاع تقنية الاتصالات والمعلومات.
آخر تجسيد حي لهذا الأمر، هو نقص المعروض من أشباه الموصلات والرقائق الالكترونية بالسوق الدولية، والذي بدأ يظهر على استحياء نهاية العام الماضي، ومطلع العام الجاري، ثم تحول لأزمة محسوسة خلال الأسابيع الخمسة الأخيرة، ثم تصاعد ليصبح ازمة تكبر ويزداد حجمها على طريقة كرة الثلج المتدحرجة من اعلي الجبل الي اسفله، ويتوقع أن تطال معظم قطاعات الإنتاج والتصنيع المختلفة.
تطورات الأمر تشير إلي أننا أمام كرة ثلج، سببها خليط من التجارة والسياسة معا، فعلي جانب التجارة والاقتصاد، حدث ارتفاع مفاجئ في الطلب على المنتجات الالكترونية الاستهلاكية، كالحاسبات المحمولة واللوحية، والهواتف الذكية، والشاشات المنزلية والمكتبية، وأدوات التواصل عن بعد كالكاميرات وغيرها، وذلك منذ بداية اندلاع وباء كورونا، وما صاحبه من عمليات إغلاق طويلة، وتوجه عالمي عام، نحو العمل والدراسة عن بعد، من المنازل.
في المقابل حدث هبوط حاد مفاجئ في أنشطة النقل الجوي والبحري، وحركة السفر عموما، نتيجة الوباء، مع تخفيض مستويات الإنتاج، في مسابك الالكترونيات العملاقة عالميا، التي يقع الجزء الأكبر منها داخل الصين وجنوب شرق آسيا، الموطن الأول للوباء، مما أثر سلبيا على الكمية المنتجة من أشباه الموصلات، وصعوبة وصول هذه الكمية القليلة أصلا، إلي محطاتها النهائية في مصانع الحاسبات والأجهزة الالكترونية والهواتف، فضلا عن مصانع المنتجات والسلع الأخرى، التي دخلت اشباه الموصلات في صميم تصنيعها خلال السنوات الأخيرة، مثل مصانع السيارات، والأجهزة الكهربائية كالتليفزيونات والغسالات والثلاجات، وأجهزة التكييف، والأجهزة الطبية وغيرها.
هكذا أصبحت الظروف التجارية اشبه بطرفي مقص، يطبقان على عنق اشباه الموصلات، فمن ناحية حدث تصاعد في الطلب على الأجهزة الالكترونية المحضة ، كالهواتف والحاسبات والكاميرات والشاشات، ومن ناحية أخرى حدث تخفيض وتقليص مستويات الإنتاج وصعوبات في أنشطة الإمداد والشحن بسبب قيود السفر والنقل.
لسوء الحظ، أن الأمر لم يتوقف عند مقص التجارة بطرفيه، بل كان مصحوبا ومتزامنا مع تعقيدات السياسة وصراعاتها، لأن أشباه الموصلات سلعة حساسة، ذات ابعاد وتأثيرات استراتيجية كبرى على الساحة الدولية، خاصة بالنسبة للعملاقين الكبيرين المتصارعين حاليا، وهما الولايات المتحدة والصين، حيث يعمل كلاهما دون كلل من أجل ان تكون لديه اليد الطولي على هذه الصناعة، لضمان التفوق والسيطرة وحماية المصالح القومية على المدي البعيد.
اندلع التأثير السياسي على أشباه الموصلات بصورة واضحة، خلال العامين الأخيرين من حكم الرئيس الأمريكي السابق ترامب، الذي شن حربا تجارية ضد الصين، اتسمت بالحدة البالغة في بعض جوانبها، وكان من أبرز تجلياتها العقوبات الغليظة التي تعرضت لها العديد من شركات ومؤسسات التقنية والالكترونيات الصينية، بدءا من وضعها على القوائم السوداء لوزارة التجارة الامريكية، إلي الحظر الكامل والصراع العلني المكشوف، على غرار ما حدث في الأزمة مع شركة هواوي، والتي كان عنوانها حماية الامن القومي الإمريكي.
 وقد شملت الإجراءات المصاحبة لهذه الحرب التجارية السياسية الأمنية، العديد من القيود التي أثرت سلبا على مستويات انتاج اشباه الموصلات في القواعد الإنتاجية بالصين وجنوب شرق آسيا، فعلي سبيل المثال، كان على شركة اشباه الموصلات التايوانية ـ اكبر قاعدة انتاج لأشباه الموصلات في العالم ـ أن تمتثل للإجراءات الامريكية، وتحد من توريداتها من اشباه الموصلات للسوق الصينية، ولأن السوق الصينية تضم قواعد كبري لإنتاج الأجهزة والمعدات الالكترونية، بما فيها مصانع تابعة للشركات الامريكية العملاقة ذاتها مثل أبل وكوالكوم، فقد تأثر الجميع بهذه الإجراءات بصورة متسارعة، وصولا إلي الوضع الراهن.
حينما وصل التأثير التجاري إلي قمته مطلع العام الحالي، لم يكن الحال بأفضل منه من حيث التأثير والتدخل السياسي، فإدارة بايدن لم تغير من النهج الذي بدأته إدارة ترامب في صراعها التجاري السياسي الأمني مع الصين، بل مضت على الدرب نفسه، واستكملت بعض الإجراءات التي لم يكن لدي إدارة ترامب الوقت الكافي لاتخاذها، وكان آخرها القرارات التي اتخذت خلال الأسبوع الماضي، وتم بموجبها وضع قائمة جديدة من المؤسسات الصينية على القائمة السوداء، كان في مقدمتها المؤسسات العاملة في مجال الحوسبة فائقة الأداء، كثيفة الاعتماد على الشرائح واشباه الموصلات المتقدمة، وكذلك شركة “فيتوم” اكبر الشركات الصينية المالكة لمسابك اشباه الموصلات، العاملة بتراخيص أمريكية، وهو ما يفسر النقص الحاد في المعالجات الذي ظهر مؤخراـ، عقب فرض العقوبات الأمريكية على الصين.
المعضلة هنا ان أحدا لم يكن بمنأى عن تداعيات خليط السياسة والتجارة المسبب لهذه الأزمة، فعلي مستوي المستهلك العادي، حدث مثلا انفلات واسع النطاق في أسعار بطاقات الرسوميات، المستخدمة مع الحاسبات الشخصية المكتبية والمحمولة، ويحتاجها ممارسو الألعاب الالكترونية، والمحترفين من شتي المهن، فسعر بطاقة إنفيديا جي فورس آر تي إكس 3070 بلغ 499 دولار في ديسمبر، لكنه بلغ الآن في المحال التجارية، وبعض مواقع التجارة الالكترونية 841 دولار، فيما ارتفعت أسعار بعض الطرازات الأخرى لتصل إلي 2570 دولار، أما بطاقة رسوميات آر تي إكس 3060 فكان سعرها 329 دولار، تصاعدت خلال الفترة الماضية لتصل الي اكثر من 800 دولار في المتوسط، وأوضح تحليل احصائي للتغيرات الجارية في أسعار بطاقات الرسوميات، إلي أن أسعارها أصبحت تتغير في مدي زمني يقاس بالأسابيع، ثم اصبح بالأيام في بعض الطرازات، وتحول الأمر إلي ما يشبه المضاربة على الوحدات القليلة المعروضة، وحتي الآن لم تظهر دلائل على أن المضاربة ستتباطأ في أي وقت قريبا.
وعلي مستوي المصنعين، وأصحاب الأعمال الكبرى، وقعت المئات من شركات التقنية حول العالم، في مأزق عدم القدرة على الإنتاج بالصورة الطبيعية والمخطط لهان وكان على رأس هذه الشركات، جاءت أبل وكوالكوم وسوني وإية إم دى وسامسونج، الذين بدأت خطط انتاج الحاسبات والهواتف لديهم تتأثر، ويتم الإعلان عن تأخيرات في طرح المنتجات الجديدة، أو توفير مخزون كاف من المنتجات القائمة، وفي صناعة السيارات تأثرت كل من فولكس فاجن وفيات كرايسلر وتويوتا وفورد، حيث تعاني هذه الشركات حاليا من صعوبات في الإنتاج، وصلت الي حد تعليق العمل ببعض خطوط الإنتاج، كما حدث مع فورد التي علقت انتاج الشاحنة إف 150 بسبب نقص اشباه الموصلات.
التداعيات الجارية في هذه الأزمة تقول أن الأمريكيين يكثفون جهودهم لتضييق الخناق على الصين لأسباب يرونها تمس أمنهم القومي، وصراعهم بعيد المدي معها، والصينيون ماضون في بناء قدراتهم الخاصة، والالتفاف على الإجراءات الأمريكية بشتي الصور، أيضا لأسباب هي مزيج من التجارة والسياسة، والاقتصاد العالمي، يتوقع أن يتعافى تدريجيا من وباء كورونا، بعد وصول اللقاحات، والبدء بنشرها على نطاق واسع، لكن التعافي لن يكون معناه العودة إلي أوضاع ما قبل الوباء كاملة، بل عودة إلي “العمل الهجين”، القائم في معظمه على العمل عن بعد، ما يعني استمرار ارتفاع الطلب على المنتجات الالكترونية الاستهلاكية الداعمة لهذا النمط الجديد من بيئات العمل، لذلك فالتقدير الأقرب للواقعية، أن مزيج السياسة والتجارة، سيجعل الازمة تتحول من كرة ثلج، إلي كرة نار، تتقاذفها أيدي الجميع، لتكتوي بها، على الأقل في الاجل القصير.
كاتب صحفي
خبير تقنية
مؤسس مجلة لغة العصر
 

       

المساس بسلاسل توريد اشباه الموصلات بات سببا كافيا لحدوث سلسلة من التداعيات العالمية السريعة عريضة النطاق، والضارة بمختلف القطاعات

       

أصبحت الظروف التجارية اشبه بطرفي مقص، يطبقان على عنق اشباه الموصلات، فمن ناحية حدث تصاعد في الطلب، ومن ناحية أخرى حدث تخفيض وتقليص مستويات الإنتاج وصعوبات في أنشطة الإمداد

       

التقدير الأقرب للواقعية، أن مزيج السياسة والتجارة، سيجعل الازمة تتحول من كرة ثلج، إلي كرة نار، تتقاذفها أيدي الجميع، لتكتوي بها، على الأقل في الاجل القصير.