نراقبكم  نعم  … نسرقكم  ولم لا

جمال محمد غيطاس

حينما يواجه مستخدم الإنترنت بطء في سرعة الشبكة، خاصة إذا كان يعمل علي حاسب مكتبي أو محمول، فليس بالضرورة أن يكون البطء ناجما عن مشكلة في خط الإنترنت أو الحاسب الذي يعمل عليه، بل يمكن أن يكون ناجما عن انه واقع  تحت المراقبة أو يتعرض للسرقة من قبل شخص قد يكون في الغالب ممن يعملون لدي جهات أمنية … كيف ذلك ؟ اصبر قليلا وتعرف علي التفاصيل التالية.
فى صيف عام 1998 كتبت تقريرا اخباريا بصفحة لغة العصر بالأهرام، حول برنامج صغير، ظهر علي الإنترنت من نوعية البرامج المعروفة باسم “حافظة الشاشة”، التي توقف الإضاءة عن شاشة الحاسب، أو تخفضها الي الحد الادني، حينما يكون الجهاز قيد التشغيل ولكن صاحبه لا يعمل عليه، وذلك كنوع من التأمين والحفاظ علي الشاشة وخفض استهلاك الطاقة.
ما دفعني وقتها للكتابة عن هذا البرنامج البسيط أنه كان مستندا لفكرة مبتكرة ـ بمقاييس ذلك الوقت ـ تسمح للجهة المنتجة والمشغلة للبرنامج باستغلال جزء من طاقة المعالج الذي يعمل به الحاسب لصالحها.
تفاصيل الفكرة تمثلت في أن هناك مشروعا دوليا يحاول استغلال طاقة الحوسبة أو المعالجة الفائضة المتاحة في اكبر عدد ممكن من الحاسبات المرتبطة بالإنترنت، ويتركها اصحابها قيد التشغيل ولا يعملون عليها، لتشكل معا حاسبا افتراضيا عملاقا كونيا، يمكن توظيفه في أغراض عامة تفيد البشرية، وتتطلب بناء حاسبات ضخمة فائقة الاداء “سوبر كمبيوتر” من اجل انجازها، وطبقا للفكرة يقوم هذا النظام بإرسال مهام محددة إلي الآلاف وربما الملايين من حاسبات المستخدمين حول العالم الذين قاموا بتركيب برنامج حافظة الشاشة، ليقوم البرنامج بجعل الحاسب يساهم في حلها وانجازها باستغلال طاقة المعالجة الفائضة في أوقات الفراغ.
كانت الفكرة براقة، ووقفت ورائها كل من وكالة الفضاء الامريكية ناسا، ومعامل بحوث الفيزياء والفضاء الاوروبية، وقامت الجهتان بتصميم البرنامج ونشره مجانا عبر الانترنت، مع توضيح للمجالات التي سيتم فيها استغلال حاسبات اي مستخدم يقبل طوعا وعن قناعة بتنزيل وتشغيل البرنامج علي حاسبه الشخصي، وحددتها في حل المعادلات الرياضية المعقدة المتعلقة بالحسابات الفلكية واستكشاف الفضاء، وبعض مجالات الفيزياء المتطورة كفيزياء الكم والمعجلات النووية المستخدمة في التطبيقات السلمية للطاقة النووية.
لكن … بمرور الوقت تطورت فكرة تكوين وتشغيل نظام تخيلي عملاق من فوائض قوة الحوسبة المتاحة لدي اجهزة اخري بسيطة وصغيرة، وانتهي بها المطاف إلي دمجها في نظم أخري شديدة التعقيد وفائقة التطور، تعتبر أن كل ما يقف في طريقها من حاسبات واجهزة ومعدات، ما هي إلا بيئة لتداول البيانات والمعلومات، يمكن التعامل معها باعتبارها كيانا واحدا عملاقا، قابل للسيطرة عليه كليا أو جزئيا.
في الأصل ظهرت هذه النظم من أجل أغراض تأمين شبكات المعلومات ضد هجمات القراصنة والمخربين وغيرهم من محترفي الجرائم الالكترونية، ومن اجل الحفاظ علي كفاءة الشبكات وتقليل نفقات تشغيلها، وضمان اتاحتها لمستخدميها طوال الوقت، خاصة داخل المؤسسات الكبرى التي تمتلك بنية تحتية مترامية الاطراف.
سرعان ما دخلت الحكومات واجهزتها الأمنية علي الخط وأصبحت في مقدمة زبائن هذه النوعية من النظم، وقطعت حكومات دول مثل الصين وايران وعشرات من بلدان العالم المحكومة بنظم تسلطية استبدادية، اشواطا واسعة ولافتة في هذا المجال، وراحت تركب هذه الانظمة علي بوابات الاتصالات الرئيسية التي تتم من خلالها حركة المرور عبر الانترنت، من وإلي حاسبات مواطنيها، سواء فيما بينها داخل البلد الواحد أو مع العالم الخارجي، تحقيقا لأغراض سياسية وأمنية بحتة، يدخل فيها الخلافات والصراعات السياسية بين الدول، وصراعات السلطة داخل الدولة الواحدة.
أتاحت هذه النظم المتقدمة للحكومات واجهزتها الأمنية أن تتعامل مع الحاسبات المتصلة بالإنترنت داخل بلدانها باعتبارها كيانا واحدا مترابطا، تارة تحجب عنه بعض المرور الوارد من الخارج، وتارة اخري تمنع حركته من الخروج خارج البلاد، وتارة ثالثة تراقب ما يدور خلاله، فتتعقب من تشاء، وتعتقل من تشاء، وتسجن من تشاء، وتوسعت عمليات المراقبة وتنوعت بصورة متسارعة ومتتالية، تضاءلت أمامها نظرية “الاخ الاكبر” الشهيرة التي كانت في يوم ما محض خيال كاتب وروائي، فأصبحت واقعا يفوق خيال من كتبها.
لم يعد الأمر بالنسبة للعديد من أجهزة الأمن والعاملين بها حول العالم يتوقف مطلقا عند سؤال هل نراقب أم لا، فالإجابة “بنعم” حسمت وانتهي الأمر، وهناك الآن مئات من مسئولي الاجهزة الأمنية في شرق العالم وغربه يتباهون ويتفاخرون علنا قائلين: نراقبكم …نعم وطوال الوقت وبأكثر مما تظنون.
إذا كانت الدواعي الامنية تعطي في كثير من الأحيان مبررات منطقية ووجيهة لمسألة التوسع في المراقبة علي هذا النحو، فإن الواقع الفعلي حاليا يشير إلي أن الأمور لم تتوقف عند ما هو منطقي ووجيه، فبعض التقارير الدولية التي تتعقب صور إساءة الاستخدام والتوسع غير المبرر في عمليات المراقبة والاعتداء علي الحريات والحقوق الشخصية، راحت ترصد صورة جديدة من صور الانحراف الدنيء في استخدام مثل هذه النظم وإمكاناتها الجبارة الموضوعة بين ايدي ضباط الأمن هنا وهناك، بعدما وصل الامر الي التربح الشخصي، والسرقة العلنية لمئات وربما الآلاف من المواطنين، علي طريقة الضابط أو رجل الامن الذي يسرق ويسطو علي أموال المواطن أو المتهم أثناء مراقبته أو اثناء القبض عليه أو احتجازه.
وفقا لتقرير صادر عن مؤسسة ” معمل المواطن ” وهي مؤسسة كندية تعمل في مجال الحريات والحقوق المدنية فإن بعض من العاملين فى أجهزة أمنية عالمية، ومن بينها دول بمنطقة الشرق الأوسط، باتوا يستخدمون هذه الانظمة في أمرين:
ـ الأول تمرير حركة المرور الواردة أو الصادرة عن حاسبات مواطنيهم وبلدانهم ـ والتي يتحكمون فيها بحكم صلاحياتهم ـ عبر حاسبات خادمة تعمل في تنشيط الإعلانات التجارية، والترويج للمنتجات والخدمات المختلفة، وتحسب عائداتها بناء علي حركة المرور المارة عبر هذه الإعلانات، ثم إعادتها لوجهتها الأصلية مرة أخري، والغرض من ذلك الحصول لأنفسهم بصفة شخصية أو لصالح أجهزتهم بصفة رسمية علي نسبة من الأموال المدفوعة فى هذه الإعلانات ، وذلك في وضع أقرب إلى من يسطو علي سيارة ركاب أو حافلة علي الطريق، ثم يقوم بتركيب ركاب داخلها، لنقلهم من محطة إلي أخري، ليحصل هو علي الأجرة أو نسبة من الاجرة التي دفعها هؤلاء الركاب خلال هذه المسافة، ثم يترك السيارة لحال سبيلها بعد ذلك.
ـ الثاني أن بعض الضباط والعاملين بالأجهزة الأمنية يستغلون الإمكانات التي تتيحها انظمة التعقب والتحكم والمراقبة في سرقة جزء من قوة المعالجات الخاصة بحاسبات المواطنين الذين يراقبونهم، وذلك لفترات زمنية معينة، وأثناء فترة السرقة يقومون بتسخير قوة الحوسبة المسروقة من حاسبات المواطنين فيما يعرف بعمليات ” تعدين العملات الرقمية” علي الانترنت مثل عملة “بيت كوين” وغيرها، بغرض التربح الشخصي أو لصالح اجهزتهم.
وللتوضيح فإن عملية تعدين العملات الرقمية مقصود بها استخدام جزء من قوة المعالج الخاص بالمشترك في عملية التعدين، من اجل حل المعادلات الرياضية المعقدة المشفرة الموضوعة من قبل الجهات المسئولة عن توليد العملات الرقمية، وتحددها مواقع تعدين العملات، من أجل توليد عملة رقمية بعد فترة من الوقت، وهو نشاط معروف عالميا، وهناك شركات وأفراد يشترون حاسبات قوية ويستخدمونها في توليد العملات ويربحون من وراء ذلك اموالا كثيرة، لأن الـ “بيت كوين ” الواحد ـ وهو اكبر عملة رقمية منتشرة عبر الانترنت ـ يعادل الآن اكثر من 15 ألف دولار.
معنى ذلك أن من يقوم بتوظيف مجموعة من الحاسبات عملية التعدين، وينجح في توليد وامتلاك بيت كوين واحد خلال اسبوع مثلا، يكون في هذه الحالة قد امتلك ثروة تقدر بـ 15 ألف دولار.
وسرقة قوة المعالجات، تستند إلي ذات الفكرة التي قام عليها ا برنامج حافظة الشاشة المشار إليه في التسعينيات، لكن الامر المختلف هنا أن الضابط أو الجهاز الأمني يقوم بهذا السلوك بصورة خفية، ورغما عن المستخدم، ودون اخذ رأيه، ودون إعطائه حق المعرفة أو الموافقة أو الاعتراض، والأخطر والأحقر أن ذلك كله يتم بدافع السرقة والتربح المادي البحت، بعيدا عن أي نشاط أمنى، حتي لو كان نشاطا متعسفا منحرفا، وهذا قمة الانحطاط والدناءة وخيانة الأمانة.
يترتب علي هذا السلوك المنحط أن المستخدم الذي يشتري الحاسب ويدفع فيه أموالا طائلة، ثم يشترك في خط انترنت ويدفع فيه أموالا أخري، ويسعي من وراء ذلك لاستخدامه في حياته العملية او الشخصية، يفاجأ ببطء في الخدمة، وتتعطل مصالحه، ليس بسبب اجراء امني قد يكون له مبرره، ولكن لأن هناك من يقوم بالسطو عليه وسرقته، تارة بتحويل حركة المرور الناشئة عن نشاطه الشخصي الذي تكفله له كل القوانين والدساتير إلي مادة للتربح الإعلاني، وتارة اخري بسرقة جزء من قدرات حاسبه وخط الاتصال الخاص به، في عملية توليد عملات رقمية لصالح طرف آخر.
ابسط ما يمكن ملاحظته في هذا السياق أن المستخدم إذا ما سمع صوت مروحة حاسبه تعمل بصوت مرتفع، وتزامن ذلك مع بطء في خط الانترنت والجهاز معا، وكان الجهاز لا يشغل تطبيقات أو برمجيات كبيرة معقدة، فيمكنه ان يقطع خط الاتصال بالإنترنت في الحال، وإذا ما لاحظ توقف مروحة الجهاز عن العمل، وعودته الي طبيعته، فمن المحتمل في هذه الحالة أن جهازه كان يتعرض للسرقة، والعمل بالسخرة لصالح شخص ما في جهة أمنية ما، يقوم باستغلاله لتوليد عملات رقمية، وهنا يكون قد وقع ضحية طرف  يعتنق فكرة ” نراقبكم نعم …. نسرقكم ولم لا”.
كاتب صحفي
خبير تقنية
مؤسس مجلة لغة العصر
 

       

سرقة قوة المعالجة بحاسبات مستخدمي الإنترنت مستندة لفكرة قديمة تسمح للجهة الموفرة للخدمة أو جهات المراقبة باستغلال جزء من طاقة المعالج الذي يعمل به الحاسب لصالحها

لم يعد الأمر بالنسبة للعديد من أجهزة الأمن والعاملين بها حول العالم يتوقف مطلقا عند سؤال هل نراقب أم لا، فالإجابة “بنعم” حسمت وانتهي الأمر

 وصل الامر الي التربح الشخصي، والسرقة العلنية لمئات وربما الآلاف من المواطنين