استبداد + تكنولوجيا = اضطهاد رقمي وتعذيب الكتروني

جمال محمد غيطاس

الاضطهاد الرقمي والتعذيب الالكتروني، قضية جديدة مثيرة للقلق علي الساحة الدولية الآن، وفحواها أنه إذا امتلكت الحكومات أدوات تكنولوجية، من النوع الشامل المتكامل، الذي يمنحها وصولا وسيطرة لحظية، علي مجمل بيانات مواطنيها المستخدمة في تسيير حياتهم اليومية، من دون وجود منظومة قانونية وإجرائية قوية للمساءلة والشفافية والحوكمة، كما هو الحال مع الحكومات الاستبدادية والقمعية، فسوف يكون الباب مفتوحا علي مصراعيه لتنفذ هذه الحكومات القمعية، عمليات اضطهاد رقمي وتعذيب الكتروني واسعة النطاق ضد ملايين من شعوبها، ليس فقط من لا ترضي عنهم السلطة او تصنفهم ضمن معارضيها، بل كل من تصل اليه يد أي مسئول منحرف في هذا الجهاز أو ذاك، ليمارس الاضطهاد الرقمي والتعذيب الالكتروني اللحطي والمتقطع، ضد بشر أبرياء، وفق ما يحلو له، سواء فقط للتلذذ بالتعذيب، أو المتاجرة والتربح … كيف طلك؟
تنطوي فبرامج وعميات التحول الرقمي المجتمعي الشامل، علي آليات عدة، من بينها مبدأ إنشاء الهوية الرقمية الموحدة للمواطن، والتي تستند إلي رقم أو كود متفرد، يحصل عليه المواطن ويكون لصيقا بتحديد هويته، كرقم بطاقة الهوية الوطنية أو القومية، أو الضمان الاجتماعي أو خلافه، ثم إعادة تنميط وهيكلة وهندسة جميع بيانات المواطن ومعلوماته، لتكون مرتبطة بهذه الهوية.
يتضمن الأمر، البيانات الشخصية الاساسية، كالاسم ومقر السكن والوظيفة والسن ونوع التعليم والمؤهل الدراسي، وفصيلة الدم، وتحليلات دي إن إيه، والبصمة الوراثية، والأسرة من الأبناء والزوجة وحتي الأقارب من الدرجة السابعة وربما اكثر، وبيانات السجل الطبي، أى التاريخ المرضي للشخص، وما تعرض له من أمراض، وحصل عليه من علاجات وادوية وجميع اشكال الرعاية الصحية، وأماكن الحصول عليها، والبيانات الخاصة بالممتلكات العقارية من أراض ومبان وشقق وخلافه، والممتلكات المنقولة كالسيارات والمركبات وغيرها، والممتلكات في البورصة والشركات، وكذلك بيانات والسجل التأميني والانتخابي، وغيرها.
وهناك البيانات المرتبطة بالعمل، كالوظيفة الحالية والسابقة، ومقر العمل ونوعه، ما بين حكومي أو خاص أو حر، والسجل الضريبي الكامل، والسجل الجمركي ان وجد، والمعاملات المالية، كالحسابات البنكية، وحركة الإيداع والصرف، وتوقيتاتها ونوعيتها، واحجامها، والأطراف المشاركة فيها، وكذلك بيانات الاتصالات بمختلف أنواعها، سواء عبر الهاتف أو البريد الالكتروني أو حتي المراسلات العادية.
وأخيرا هناك البيانات الخاصة بالحركة اليومية للشخص عبر الفضاء الإلكتروني، من محادثات ودردشة، وتحركات مرتبطة بالموقع والخدمات والتعاملات الالكترونية، ألخ.
يفترض أن تتجمع كل هذه البيانات تحت مفتاح أو كود واحد هو “الهوية الرقمية”، بحيث يتم ربطها بكل ما يحصل عليه المواطن من خدمات من الحكومة، بدءا من استخراج شهادة ميلاد او بطاقة هوية أو جواز سفر، وانتهاء بملء خزان وقود السيارة، ومرورا بخدمات التعليم والصحة والمرور والخدمات المالية، والضرائب، وخدمات المرافق العامة، كالمياه والغاز والهواتف الأرضية والكهرباء، وأي شكل من أشكال الدعم الحكومي.
المضي قدما في عمليات التحول الرقمي، يتطلب بناء عشرات الأنظمة المعلوماتية،  لتجميع وفهرسة وتحليل هذه البيانات الكلية الهائلة عن المواطنين، بصورة متجددة ومحدثة دوريا علي مستوي يومي وربما لحظي، وتحويلها إلي خدمات ومنتجات، لتسريع عمليات التنمية المستدامة، وتعظيم استخدام الموارد، والقضاء علي الفساد، وتحقيق السرعة والدقة في الأداء، والمساواة والعدل في توزيع عوائد التنمية علي المواطنين، وغيرها من الأهداف الجليلة.
المعضلة هنا تكمن في الموازنة بين حماية البيانات الشخصية للمواطنين، وبين ما تراه السلطة مقتضيات للأمن والسلامة العامة للمجتمع، وبحسب ما هو منشور ومتداول من دراسات وتقارير كثيرة صادرة عن جهات دولية، وجامعات ومعاهد، ومؤسسات معنية بقضية حقوق الإنسان الرقمية، فإن الخوف والقلق نابع من وقوع مثل هذه التقنيات الشاملة، في ايدي حكومات قمعية استبدادية، تتمتع بسلطة مطلقة، لا تتورع عن فعل أي شيء باسم الامن، وفي هذه الحالة ستتيح لها التكنولوجيا بوابة ذهبية، لممارسة قمع واضطهاد واسع النطاق ضد ما تشاء من مواطنيها، ولو كانوا بالملايين.
ففي هذه الحالة يمكنها، بناء نظم وادوات برمجية ومعلوماتية متسلسلة، بغرض التحكم في سلاسل الخدمات التي يحصل عليها المواطن استنادا الي هويته الرقمية، إذا ما رأت أن هذا المواطن معارضا لها أو مخالفا لها في الرأي،  فتضع الهوية الرقمية لهذا المواطن في دائرة الاشتباه مثلا،  فتعمل أدوات التحكم التابعة لها على تعطيل أي شيء يخص المواطن في سلسلة أنظمة المعلومات المنشأة ضمن عملية التحول الرقمي.
فمثلا، تستطيع السلطة أن تجعل قرار وضع المواطن في دائرة الاشتباه، يوقف صرف مرتبه من ماكينة صرف النقود، او يعطل فجأة استخراج تذكرة السفر لرحلة علاج أو عمل عاجلة وملحة، أو يرفع فجأة فواتير المياه والغاز والكهرباء، أو يجعل من المستحيل عليه تجديد رخصة سيارته من أول مرة، أو يعطل التجديد شهورا، أو يراكم عليه غرامات تأخير سداد بعض الأقساط، لأنه لم يتمكن من سدادها، رغم توافر المال لديه، أو يعطل إصدار شهادة دراسية، لأحد أبنائه حتي تفوته منحة للدراسة، أو يفاجئه بضرائب عن أنشطة لم يقم بها، ثم عليه الدوران حول نفسه حتي يثبت صحة موقفه، أو يجعله يدخل متجر ليتسوق، فينتهي به المطاف عاجزا عن دفع ثمن خضروات والبان له ولأطفاله، لأن الملاحظات الأمنية على رقم هويته الرقمية يعطل عملية الدفع، أو يجعله زبونا دائما في أكمنة الشرطة بالشوارع، باعتباره مشتبها به، بمجرد التقاط رقم سيارته، أو يقلص محيطه الاجتماعي، ومحيط العمل من حوله، حتي يصبح غير قادر علي الدخول في علاقات عمل، أو علاقات صداقة أو حتي علاقات اجتماعية من مصاهرة وخلافه، بعدما وصلت للمتعاملين والمتعاونين معه وقائع مالية واخلاقية، في سياق طبيعي للغاية، تضعه في دائرة الشك، كشخص غير جدير بالاحترام والثقة.
هكذا تستطيع السلطة عبر أدوات إدارة البيانات الشاملة للمواطن، أن تجعله يتقلب بعنف، من كارثة لأخرى، بدرجة تشل حياته وحياة اسرته، وتحولها إلي جحيم فعلي، من دون اعتقال وحبس وتحقيق ومقاضاة، بل فقط بمجرد ضغطة علي مفتاح، يقوم بها شخص ما في جهة ما، فيصبح بعدها من “المضطهدين رقميا”، المسجونين الكترونيا.
الأدهى من ذلك أن المواطن قد يعيش هذا الجحيم كله أو بعضه، ثم يكتشف أنه ليس بسبب مواقف معارضة للحكومة، ولكن بسبب شخص منحرف في جهة ما، دبر له كل هذه الأهوال، بغرض الابتزاز المالي الرخيص، وبطريقة يصعب اثباتها أو اقتفاء اثرها أو كشف تعمدها، لأنها تتم في مناخ استبدادي، تكمم فيه الافواه، وتحرم فيه المساءلة والمكاشفة، ويداس فيه القانون والقيم بالأقدام.
ظهرت علي الساحة العديد من الوقائع الدالة علي أن الأمر بهذه الصورة، ليس خياليا أو بعيد عن الواقع، وفي هذا السياق لنا أن نتذكر أن التقنية الشاملة، التي جري تركيبها علي البنية التحتية للإنترنت لتعمل علي مستوي دولة بكاملها، بعرض التأمين ومراقبة حركة الإرهاب والسلاح والمخدرات، قد تم الانحراف بها عن أغراضها، ليس فقط في توسيع الممارسات الأمنية خارج نطاق القانون، وإنما لاستغلالها من قبل بعض العاملين بالجهات المسئولة عن تشغيلها، في عمليات سرقة وتربح بالمعني الحرفي للكلمة.
 
كاتب صحفي
خبير تقنية
مؤسس مجلة لغة العصر
 

       

سيكون الباب مفتوحا علي مصراعيه لتنفذ  الحكومات القمعية، عمليات اضطهاد رقمي وتعذيب الكتروني واسعة النطاق ضد ملايين من شعوبها

تكمن المعضلة  في الموازنة بين حماية البيانات الشخصية للمواطنين، وبين ما تراه السلطة مقتضيات للأمن والسلامة العامة للمجتمع

 تستطيع السلطة عبر أدوات إدارة البيانات الشاملة للمواطن، أن تجعله يتقلب بعنف، من كارثة لأخرى، بدرجة تشل حياته من دون اعتقال وحبس وتحقيق ومقاضاة